تقديــــم:
يدرك الجميع اننا نعيش فكرا وسلوكا في وضع يتسم بالجمع بين ما لا يجتمع، وفي ظل ثقافة وواقع متناقضين، وتنظير يحلق في الخيال مع ممارسة أثخنها الجمود وأفقدها بوصلة مسايرة الحياة.
ومن الأمثلة التي تؤكد ذلك:
1)    ـ القول بأنه ليس في الإسلام "رجال دين" مثل ما في المسيحية مثلا حيث يحتكرون تفسير نصوص الوحي ومعرفة أسراره وفي ذات الوقت يشتد الدفاع عن "اختصاص العلماء" وحدهم دون غيرهم بإعلان أحكام الشريعة وان واجب غيرهم من "العامة" هو التلقي والتقليد دون مراجعة أو مناقشة.
2)    ـ تحدث السابقون عن عدة جهات للتقرير: "أهل الحل والعقد"، "المجتهدين" "ولي الأمر" الذي خولت له اختصاصات واسعة، مثلا:"التعزير" الشامل لجميع الجرائم وعقوباتها عدا جرائم الحدود والقصاص التي تقل عن عشرة.
وفي الممارسة غاب الحديث نهائيا عن توزيع الاختصاص بين هذه الجهات كما هي أو بمصطلحات مستوحاة من الأنظمة الدستورية المعاصرة، وساد الخطاب الذي يحصر "الأحكام الشرعية" في الاجتهاد الفقهي، وكل ما عداه هو "قانون وضعي" أي من وضع البشر وليس من الشريعة الصادرة  عن الله، ولو أصدره "ولي الأمر" في حدود الاختصاص الذي أسنده إليه الفقه قديما.
3)    ـ المجتهد يفسر النصوص التي تحتمل أكثر من دلالة، أو يرجح فيما بينها عند تعارضها، وهو ما يترتب عنه تعدد الآراء واعتماد كل مجتهد في رأيه على ما يظنه الدلالة الراجحة للنص من بين الدلالات الأخرى، من أجل ذلك قال الأصوليون ان الحكم الاجتهادي "ظني" وليس قطعيا. مع ذلك ذهب فريق منهم (المخطئة) إلى أن رأي المجتهد هو "حكم الله الأزلي" "اكتشفه" المجتهد بوسائل التفسير أو معايير الترجيح التي استعملها ( وعند تعدد الآراء يكون أحدها  هو "المكتشف" للحكم الأزلي والآراء الأخرى خطأ ) وذهب فريق آخر ( المصوبة )
إلى أن حكم الله تابع لحكم المجتهد فكل حكم توصل إليه أي مجتهد يصبح هو حكم الله على اعتبار أن الوقائع موضوع الاجتهاد ليس لها من الله أحكام معينة،
وإنما يتقرر الحكم الإلهي في كل واحدة منها لحظة إعلان المجتهد عنه وتبعا للحكم الذي أعلنه هذا الأخير.
4)    ـ  الخطاب المتداول يؤكد أن أحكام الشريعة:
وضعت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد ولذلك ترتبط بنتائجها في حياة الناس وبتحقيقها لحكمها وهو ما يعني أن ما تم تقريره منها بالاجتهاد قابل للتعديل والتغيير تبعا لتغير ظروف وملابسات وقائع الحياة وتطبيق مبدأي:" مراعاة مآلات الأفعال " و" الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ".
لكن كيف ينسجم هذا مع القول بأن الأحكام الاجتهادية قررها الله في الأزل أو عند النطق بها من المجتهد؟ وبأن العقل لا يحسن ولا يقبح؟ فمن يجرؤ
على تغيير أحكام الله الأزلية؟ وهل تدرك مآلات الأفعال ونتائجها في التطبيق وبقاء الحكمة أو انعدامها إلا بالعقل؟.
5)    ـ الحديث عن الاجتهاد شغل الألسنة وملأ الصحف وصم الآذان.
منذ قرن والكل يقول إن الاجتهاد قادر على تطوير الآراء الاجتهادية القديمة المتجاوزة وإيجاد الحلول لما استجد من مرافق تنظيم المجتمع والعلاقات بين أفراده.
وفي الحياة المعيشة لا نجد لهذا الاجتهاد أثرا، وكيف يتحقق الاجتهاد والمجتهد ذاته لا وسيلة عملية للاعتراف بوجوده؟ وإذا أدلى أحد "العلماء" برأي في واقعة جزئية ظهر معارضون ومؤيدون ولا وسيلة للحسم فيما اختلفوا فيه، فضلا عن ثقافة التمسك بالتقليد المذهبي التي يبدو الفكاك منها بعيد المنال.
6)    ـ "العلماء" يشاركوننا الحياة وظروفها ويدركون جيدا التطور العميق الذي حدث في مفهوم الدولة وفي تنظيم مرافق المجتمع والتخطيط لمستقبله.
ومع ذلك نجد المعرفة المتداولة في الموضوع قاصرة على تصور الدولة في الأشخاص وليس في المؤسسات، وكل ما يحتاجه المجتمع من مرافق وخدمات موكول إلى أفراد مجهولين تحت عنوان "فروض الكفاية" رغم استحالة إنجازها بالإمكانيات الفكرية والمادية المتاحة للأفراد. حتى العمود الفقري لقيام الدولة ولحياة المجتمع وهو موارد الخزينة العامة ما تزال غائبة وغير مفكر فيها.
7)    ـ المسلمون يعيشون في جميع أنحاء الكرة الأرضية موزعين
على أنظمة سياسية يميز كل واحد منها عن الباقي مصطلح "الجنسية" يشكلون فيها أغلبية أو أقلية، ولكل منها نظامه الدستوري الذي يحدد مؤسسات الدولة واختصاصاتها في إصدار القواعد الملزمة في تنظيم شئون الحياة العامة وتحديد التزامات الأفراد وحقوقهم. بينما الدراسات الفقهية تتجاهل كل هذا وتقدم ما يناقضه:
في قطر واحد تصدر فتاوى متناقضة، وكل واحدة يصر مصدرها
على أنها حكم الشريعة الواجب التنفيذ وما عداها ضلال، وإن تكن مجرد نقل لأحد الآراء الاجتهادية الفردية، أو مخالفة للقانون المعمول به.
وكل مفت يوجه خطابه إلى جميع المسلمين في العالم دون مراعاة للأنظمة القانونية المتباينة السارية عليهم وان تكن فتواه خاصة بالمعاملات التي كثيرا
ما يختلف الاجتهاد فيها بظروف الزمن والمكان.
هذه الثنائية المتنافرة في الفكر وفي الممارسة معا تكلف العالم الإسلامي كثيرا من العمل والمال، وتؤثر سلبا على لحمة التعايش وعلى بناء المستقبل والتخطيط له.
8)    ـ حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، نبالغ في أسلوب العموميات
التي نتناولها بها، لكن في وقائع الحياة التفصيلية لا نكاد نتجاوز بقيد أنملة ما قيل في أوضاع مغايرة للتي نعيشها فكريا، واجتماعيا، وسياسيا، ودوليا ...
9)    ـ اندماج الأحكام الاجتهادية في أحكام الشريعة القطعية عاق مسيرة الفقه، فتخلفت عن مواكبة الحياة ومستجداتها وانحسرت في التنظير وأمانة النقل.
10)    ـ العالم الإسلامي يعاني من أزمته الحالية الماثلة:
في هشاشة التماسك الداخلي نتيجة التناقض إلى حد التصادم بين التنظير لأحكام تنظيم المجتمع وبين الممارسة العملية لصياغة هذه الأحكام.

وفي غيابه عن واجهة الحضارة الإنسانية وعن التأثير فيها بسبب قلة زاده من المعرفة التي ما يزال التلقين في أصول الفقه يعتبرها من مسئولية الأفراد (فروض الكفاية) وليست من واجبات الدولة والمجتمع.
ولا خلاص له من هذه الأزمة إلا بتوحيده بين التنظير والممارسة في تحديد وسيلة متوافق عليها لصياغة الأحكام التي ينظم بها شئون حياته يختفي بها التقابل بين "الأحكام الشرعية" و"القانون الوضعي" وما يتبع ذلك من خلخلة للتعايش الاجتماعي، وتحويل التلاحم الوطني إلى تنافر إيديولوجي يتجاوز حدود الاختلاف في الرأي إلى التنابذ وصولا إلى العنف الدموي.
هذه بعض الموضوعات التي أحاول إثارتها ومناقشتها عسى أن ينتبه إليها الجميع ويساهم في البحث عن الطريق السوي إلى تجديد البناء النظري،
وإلى مراجعة التصورات التي تعالج بها إلى الآن، كي يستعيد العالم الإسلامي عافيته، ويتحكم في توجيه إمكانياته البشرية والمادية إلى البناء والوفاء بأمانة التكليف، والله الهادي إلى سواء السبيل.

                                أحمد الخمليشي.